تُعد جرائم التلاعب في السوق من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تهدد استقرار سوق المال القطري، لأنها تمس جوهر العملية الاستثمارية القائمة على الثقة والشفافية. وأي سوق مالي لا يقوم فقط على حركة الأسعار، بل على عدالة المعلومات وتكافؤ الفرص بين جميع المتعاملين.
ومع تزايد التعاملات المالية وتطور أدوات التداول، برزت جرائم التلاعب في سوق المال كأحد التحديات القانونية والاقتصادية التي تتطلب مواجهة تشريعية ورقابية صارمة.

ما المقصود بجرائم التلاعب في سوق المال؟
يقصد بـ جرائم التلاعب في السوق كل تصرف أو سلوك يهدف إلى التأثير غير الحقيقي على أسعار الأوراق المالية أو على حجم التداول، بما يؤدي إلى تضليل المستثمرين وخلق صورة غير واقعية عن وضع السوق.
وبعبارة مبسطة، فإن جرائم التلاعب في السوق تقوم على:
- تشويه آليات العرض والطلب.
- التأثير المصطنع على قرارات المستثمرين.
- الإخلال بمبدأ العدالة داخل السوق المالي.
ولهذا السبب، تُصنف هذه الجرائم ضمن أخطر الجرائم الاقتصادية في سوق المال القطري.
أقرأ أيضًا: 5 استراتيجيات قانونية فعالة لتحصيل الديون في قطر
صور التلاعب في سوق المال
التلاعب بالأسعار في سوق المال القطري
يُعد التلاعب بالأسعار أكثر صور جرائم التلاعب في السوق شيوعًا، ويقع عندما يتم تحريك سعر ورقة مالية صعودًا أو هبوطًا دون وجود مبرر اقتصادي حقيقي.
وقد تظهر هذه الصورة في شكل:
- تغيرات سعرية مفاجئة وغير مبررة.
- تحركات قصيرة الأجل تؤثر على قرارات المستثمرين.
- نشاط تداول لا يعكس القيمة الفعلية للأوراق المالية.
هذه الممارسات لا تعكس واقع السوق، بل تخلق انطباعًا مضللًا يضر بثقة المتعاملين.
قيد سعر غير حقيقي للأوراق المالية
من أخطر صور جرائم التلاعب في السوق العمل على قيد سعر غير حقيقي للأوراق المالية، سواء بالزيادة أو النقصان أو التثبيت.
وتكمن خطورة هذا السلوك في أن:
- السعر هو المرجع الأساسي للمستثمر.
- أي تلاعب فيه يؤدي إلى تضليل واسع النطاق.
- القانون يجرّم حتى مجرد محاولة التأثير على السعر.
ولهذا، لم يشترط المشرّع القطري تحقق الضرر الفعلي، بل اكتفى بتوافر نية التأثير لحماية السوق استباقيًا.
التداول الوهمي وأثره على المستثمرين
يشير التداول الوهمي إلى إدخال عمليات لا تعكس تداولًا حقيقيًا، وإنما تهدف إلى خلق انطباع بوجود سيولة أو نشاط داخل السوق.

وتُعد هذه الممارسة من صور جرائم التلاعب في السوق لأنها:
- تعطي إشارات غير صحيحة عن حركة التداول.
- تدفع المستثمرين لاتخاذ قرارات خاطئة.
- تُضعف مصداقية سوق المال القطري.
ومع تكرار هذه السلوكيات، تتراجع الثقة العامة في السوق.
أقرأ أيضًا: تسجيل العلامات التجارية بقطر: كل ما تحتاج معرفته
الأركان القانونية لجرائم التلاعب في سوق المال
لكي تُصنّف الأفعال ضمن جرائم التلاعب في السوق، اشترط القانون توافر ركنين أساسيين.
الركن المادي:
يتحقق الركن المادي في جرائم التلاعب في سوق المال عند القيام بأي فعل من شأنه:
- التأثير على أسعار الأوراق المالية
- تضليل المتعاملين في السوق.
- خلق صورة غير حقيقية عن التداول.
الركن المعنوي:
أما الركن المعنوي، فيتمثل في:
- علم الجاني بطبيعة تصرفه.
- إدراك آثاره المحتملة على السوق.
- اتجاه إرادته إلى إحداث هذا الأثر.
وعند انتفاء القصد الجنائي، لا تقوم الجريمة.
منطق التشدد العقابي في جرائم التلاعب في سوق المال
حرص المشرّع القطري على فرض عقوبات صارمة على جرائم التلاعب في السوق، إدراكًا لخطورتها على الاقتصاد الوطني. وتشمل هذه العقوبات:
- الحبس لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.
- غرامات مالية كبيرة.
- المساءلة القانونية حتى في حالة الشروع.
ويهدف هذا التشدد إلى حماية المستثمرين، وضمان نزاهة سوق المال القطري، وتعزيز بيئة استثمارية مستقرة.
الأثر الاقتصادي لجرائم التلاعب في سوق المال
لا يقتصر أثر جرائم التلاعب في سوق المال على خسائر فردية، بل يمتد ليشمل:
- زعزعة الثقة في سوق المال.
- تراجع جاذبية الاستثمار.
- الإضرار بالشركات المدرجة.
- تشويه المنافسة العادلة.
وهو ما يجعل مكافحتها ضرورة اقتصادية قبل أن تكون قانونية.

خاتمة
في الختام، تمثل جرائم التلاعب في السوق تهديدًا مباشرًا لعدالة سوق المال القطري واستقراره. ومواجهة هذه الجرائم تتطلب تشريعات واضحة، ورقابة فعالة، ووعيًا استثماريًا يميز بين الحركة الحقيقية والتأثير المصطنع. فالسوق القوي لا يقوم على التضليل، بل على الشفافية والثقة.
المرجع : ” تنص أحكام القانون رقم (8) لسنة 2012 بشأن تنظيم سوق المال على تجريم أي سلوك يهدف إلى التلاعب بالأسعار أو تضليل المستثمرين.”