ليس كل فسخ مشروع حتى وإن استند إلى حق قانوني. فالتعسف في فسخ العقود يُعد من أبرز الإشكاليات القانونية التي تثير جدلاً واسعًا في التطبيق نظرًا لتداخله مع مبدأ حسن النية وحدود استعمال الحق.

العقود في جوهرها اتفاق ملزم بين شخصين من أشخاص القانون طبيعيين كانوا أم معنويين على شيء معين قابل للوجود ولسبب مشروع، مثل عقود البيع والإيجار والشركة والمقاولة وسواها من العقود المدنية والتجارية.
ويترتب على الإخلال بالالتزامات الناشئة عن هذه العقود من أي طرف حق مقرر قانونًا في المطالبة بالفسخ، وهو من أقوى الجزاءات المدنية التي أقرّها المشرع صونًا للتوازن التعاقدي وحفاظًا على حقوق كلا الطرفين.
غير أن الفسخ لا يكون مشروعًا في كل الأحوال؛ إذ قد يتحول إلى أداة للضرر حين يوظف بغير وجه حق أو في غير موضعه القانوني الصحيح، وهنا يبرز مفهوم التعسف في فسخ العقود بوصفه إشكاليةً قانونيةً جوهريةً تمس مبدأ العدالة التعاقدية ومبدأ حسن النية الذي يحكم تنفيذ العقود جميعًا.
فما الذي يميز الفسخ المشروع عن التعسفي؟ وما الحدود التي رسمها المشرع لحماية المتعاقد المظلوم؟ وكيف تعامل القضاء مع هذه الإشكالية في أحكامه؟
هذا ما تجيب عنه هذه المقالة بالتفصيل والتأصيل الدقيق المعمق والتمثيل التطبيقي الوافي.
ما هو التعسف في فسخ العقود في القانون المدني؟
الفسخ هو انحلال العقد الناشئ عن إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه إذ يجوز للمتعاقد الآخر بعد إعذاره أن يطلب فسخ العقد مع التعويض إن كان له مقتضى، وذلك عملاً بحكم المادة (183) من القانون المدني.
وإنهاء العقد بالفسخ نوعان:
- الفسخ المشروع: كامتناع أحد المتعاقدين عن الوفاء بما التزم به فهذا سبب قانوني معتبَر يبيح طلب الفسخ.
- الفسخ التعسفي: وهو إنهاء العقد دون مبررات قانونية مقبولة مع إلحاق الضرر بالطرف الآخر بلا سبب مشروع.
ويمكن التمييز بين الفسخ المشروع والفسخ التعسفي من خلال المقارنة التالية:
| العنصر | الفسخ المشروع | الفسخ التعسفي |
|---|---|---|
| السبب | إخلال فعلي بالالتزام | دون مبرر كاف |
| الهدف | حماية الحق | الإضرار بالغير |
| الأثر | إنهاء العقد | مسؤولية وتعويض |
| التقييم القانوني | جائز | غير مشروع |
وتُعد هذه الحالات من أبرز صور التعسف في فسخ العقود التي تناولها الفقه والقضاء.
لماذا يُعدّ التعسف في فسخ العقود إشكاليةً قانونيةً متجددة؟
لا تنبثق خطورة التعسف من مجرد الإخلال بالالتزام بل من توظيف الحق القانوني ذاته وهو حق الفسخ كأداةً للإضرار.
وهذا ما يجعله تحديًا مزدوجًا:
- فهو من ناحية يتخفّى في صورة تصرف مشروع ظاهرًا.
- ومن ناحية أخرى يُفضي إلى نتائج غير مشروعة في جوهرها.
وما يُضاعف من تعقيده أن التعسف لا يُقاس بمعيار ثابت بل يتباين بحسب طبيعة العقد مدنيًا كان أم تجاريًا وبحسب موقع المتعاقدين وقدرتهم التفاوضية.
وقد أفرز هذا الواقع اجتهادات قضائية ثرية سعت إلى رسم الحدود الفاصلة بين الفسخ المشروع والفسخ المشوب بالتعسف، انطلاقًا من مبدأ أن الحق لا يُستعمل إلا في حدود غايته التي أقرها القانون.
أقرأ أيضًا: 10 ركائز تضمن صياغة الاتفاقيات التجارية المحكمة لشركتك
متى يعد الفسخ تعسفًا في نظر القانون؟
يعد التعسف في فسخ العقود من المسائل التي يكثر الجدل حولها في التطبيق العملي فلا يكفي التمسك بالحق في الفسخ لاعتباره مشروعًا بل يجب أن يتم استعماله في إطار الغاية التي قررها القانون.
ويعد الفسخ تعسفًا في الحالات التي يظهر فيها خروج عن حسن النية أو انعدام المبرر أو قصد الإضرار بالطرف الآخر.
كما قد يتحقق التعسف إذا تم الفسخ في توقيت غير مناسب أو دون تمكين الطرف الآخر من تنفيذ التزامه.
حالات التعسف في فسخ العقود
ومن أبرز صور التعسف في فسخ العقود في التطبيق العملي ما يأتي:

الإنهاء بلا مبرر قانوني
إنهاء العقد دون مبررات قانونية مقبولة بقصد الإضرار بالطرف الآخر أو الغير أو بما يتعارض مع النظام العام ومبادئ حسن النية التعاقدية.
ويعد هذا النوع من أشد صور التعسف وضوحاً في الفقه والقضاء لأنه ينطوي على نية مبيّتة لتحقيق الضرر.
الإخلال بالالتزامات الجوهرية
- امتناع أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزامه كليًا أو جزئيًا.
- تأخره في التنفيذ بما يُلحق ضررًا بالمتعاقد الآخر.
- الإخلال بشروط جوهرية في العقد كالثمن أو السرية أو التسليم.
القاعدة القانونية لفسخ العقود
وتُعد هذه القواعد الأساس الذي يُبنى عليه تقدير التعسف في فسخ العقود:
أ. الفسخ الاتفاقي
منح القانون المتعاقدَين حق الاتفاق على فسخ العقد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائي عند عدم الوفاء بالالتزامات.
واشترط لذلك شرطًا جوهريًا: أن تكون عبارة الفسخ في العقد صريحةً واضحة الدلالة على انصراف إرادة المتعاقدين إليه، ولا يُشترط لوقوعه إعذار المدين.
فإذا وقع الفسخ رغم غموض عبارة الاتفاق ودون دلالة واضحة على إرادة الفسخ أصبح مشوبًا بالتعسف عملًا بحكم المادة (184/2) من القانون المدني.
ب. الفسخ الاتفاقي في العقود التجارية
وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل يكفي النص الصريح على الفسخ في العقود التجارية لضمان مشروعيته؟
الجواب بالنفي، إذ اشترط القانون شرطًا إضافيًا لا محيد عنه، وهو:
وجوب إعذار المدين بالالتزام في العقود التجارية للوفاء بما عليه ولا إعفاء من ذلك، ولا يعتد باتفاق الطرفين على خلافه عملاً بحكم المادة (184/3) من القانون المدني.
ويقوم التعسف في فسخ العقود التجارية متى تم الفسخ بعبارة صريحة لكن دون إعذار، فالإعذار هنا ضمانة للمدين لا تملك الإرادة التعاقدية إسقاطها.
أقرأ أيضًا: مرونة العقود التجارية في مواجهة الأزمات الاقتصادية: الحلول القانونية
الفسخ وأثره على الخلف الخاص
لا يُحتج بفسخ العقود الناقلة للملكية في مواجهة الخلف الخاص الذي تلقى حقًا عينيًا بعوض من أحد المتعاقدين، ويتحقق ذلك بتوافر شرطين:
- أن يكون الخلف الخاص قد تلقى حقه معاوضةً وبحسن نية.
- أن يكون عند التعاقد لا يعلم السبب الذي أفضى إلى فسخ عقد سلفه، ولم يكن في مقدوره العلم به لو بذل من الحرص ما تستوجبه ظروف الحال من الشخص العادي عملًا بحكم المادة (186) من القانون المدني.
فإذا فُسخ العقد رغم توافر هذين الشرطين، عُد الفسخ مشوبًا بالتعسف ولا يُحتج به في مواجهة الخلف الخاص الحسِن النية، كالمشتري من مالك الشيء بعقد تم فسخه دون علمه بسبب هذا الفسخ.
هل يجوز فسخ العقود الملزمة لجانب واحد؟
يجوز ذلك، غير أن مشروعيته مقيّدة بشرط جوهري ألا وهو أن يصبح الالتزام مستحيلًا لسبب أجنبي لا يد للمدين فيه، عملًا بحكم المادة (187/1) من القانون المدني.
مثال توضيحي
من يُعلن عن جائزة معينة ثم يستحيل تنفيذها بسبب هلاكها جراء حريق أو تلف لا يد له فيه؛ فهنا يكون الفسخ مشروعًا.
أما إذا انتفت الاستحالة ووقع الفسخ بينما يملك المدين القدرة على التنفيذ ولو جزئيًا، فإن التعسف في فسخ العقود يكون قائماً بلا شك.
حالة تطبيقية — قضاء محكمة التمييز
الطعن رقم 73 لسنة 2016 — الدائرة المدنية والتجارية — جلسة 12/4/2016
قضت محكمة التمييز في واقعة تتلخص في أن صاحب عمل أبلغ موظفًا بعقد محدد المدة بعامين (يبدأ من 1/12/2012) بإنهاء خدمته اعتباراً من 31/7/2013، مستندًا إلى التنازل عن إدارة الفندق لشركة أخرى مبررًا لإنهاء العقد.
أكدت المحكمة أن المادة (52) من قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 تقضي صراحةً ببقاء عقود العمل السارية في حال انتقال المنشأة لغير صاحبها الأصلي سواء بطريق الإدماج أو نقل الملكية أو الحق في الإدارة وأن صاحب العمل الجديد يكون مسؤولاً بالتضامن مع القديم عن تنفيذ جميع الالتزامات.
وخلصت المحكمة إلى أن إنهاء عقد العمل قبل أجله بحجة التنازل عن إدارة المنشأة لا يُعد مبرراً قانونيًا مقبولًا، مؤكدةً أن هذه الأحكام آمرة تتعلق بالنظام العام لا يجوز الاتفاق على مخالفتها وقضت بالتعويض المناسب للمتعاقد المضرور.
توصيات عملية للمتعاقدين
انطلاقاً مما سبق، يمكن تقديم جملة من التوصيات للمتعاقدين وأطراف العقود تحصينًا من الوقوع في مزالق التعسف في فسخ العقود:
- صياغة شروط الفسخ بدقة: يجب أن تكون عبارة الفسخ الاتفاقي صريحةً لا تحتمل التأويل، مع تحديد الأسباب الموجبة للفسخ تحديداً واضحاً لتفادي أي نزاع لاحق.
- الالتزام بالإعذار في العقود التجارية: لا يجوز تجاهل شرط الإعذار في المعاملات التجارية مهما كانت صراحة العبارة، لأنه ضمانة قانونية آمرة لا تسقط بالاتفاق.
- توثيق أسباب الفسخ: ينبغي لمن يُقدم على الفسخ أن يوثق أسبابه توثيقًا كافيًا، وأن يُثبت الضرر الناشئ عن إخلال الطرف الآخر، درءًا لأي ادعاء بالتعسف.
- مراعاة حقوق الخلف الخاص: عند انتقال ملكية الشيء محل العقد، يجب مراعاة حسن نية المتلقي وعدم الاحتجاج بالفسخ في مواجهته ما لم تتوافر الشروط القانونية الصريحة.
- استشارة متخصص قانوني: قبل اتخاذ أي قرار بالفسخ في العقود ذات القيمة أو الحساسية، يُستحسن اللجوء إلى مستشار قانوني متخصص لتقييم مدى مشروعية الفسخ وآثاره.
ويؤكد ذلك أن التعسف في فسخ العقود لا يرتبط بوجود الحق في الفسخ فقط بل بكيفية استعماله.

أهم الأسئلة الشائعة حول التعسف في فسخ العقود
متى يتحول حق الفسخ إلى تعسف قانوني؟
يتحول حق الفسخ إلى تعسف عندما يُستخدم دون مبرر مشروع أو بقصد الإضرار بالطرف الآخر أو بالمخالفة لمبدأ حسن النية في تنفيذ العقود.
هل يكفي وجود شرط فسخ في العقد ليكون الفسخ مشروعًا؟
لا، لا يكفي وجود شرط الفسخ وحده، بل يجب أن يكون واضحًا وصريحًا، وأن يُمارس في إطار الضوابط القانونية، وإلا اعتُبر الفسخ مشوبًا بالتعسف.
ما أهمية الإعذار في فسخ العقود التجارية؟
يُعد الإعذار شرطًا جوهريًا في العقود التجارية، ولا يجوز الاتفاق على إسقاطه، ويؤدي تجاهله إلى اعتبار الفسخ تعسفيًا حتى مع وجود شرط صريح.
كيف يحدد القضاء وجود التعسف في الفسخ؟
يُقدّر القضاء التعسف بناءً على ظروف كل حالة، مثل وجود مبرر حقيقي، وتوقيت الفسخ، ومدى توافر حسن النية، وتأثير الفسخ على الطرف الآخر.
هل يمكن مساءلة من يفسخ العقد رغم امتلاكه هذا الحق؟
نعم، إذا ثبت أن استعمال الحق تم بصورة تتجاوز غايته القانونية أو ألحق ضررًا غير مبرر بالغير، تقوم المسؤولية القانونية ويستحق التعويض.
ما الخطوة الأهم قبل اتخاذ قرار فسخ العقد؟
التأكد من وجود سبب قانوني واضح للفسخ، وتوثيق الوقائع، والالتزام بالإجراءات مثل الإعذار عند اللزوم، لتجنب اعتبار الفسخ تعسفيًا.
الخلاصة
يتّضح مما سبق أن التعسف في فسخ العقود ظاهرة قانونية ذات أبعاد متشعبة تمسّ جوهر العدالة التعاقدية؛ فالفسخ سواء كانت العقود ملزمة للجانبين أم لجانب واحد جائزٌ متى توافرت أسبابه الموجبة من امتناع عن التنفيذ أو استحالة بسبب أجنبي.
إذا حدث غير ذلك يصبح مشوباً بالتعسف الذي يقوم على استخدام حق الفسخ بقصد الإضرار، أو بما يخالف النظام العام، أو بالإخلال بالالتزامات الجوهرية كعدم التنفيذ أو التنفيذ المعيب أو استغلال حاجة الطرف الآخر أو ضعفه.
كذلك يجوز منع الجار من حق الانتفاع إذا كان استعماله غير مشروع أو مُضرًا بشكل فاحش أو متجاوزًا الحدود المألوفة لمضار الجوار، وذلك صونًا لمبدأ عدم التعسف واستعمال الحق الذي يُعدّ من أرسخ مبادئ القانون المدني الحديث.
ويظل التعسف في فسخ العقود من أبرز صور الانحراف في استعمال الحق وهو ما يوجب على المتعاقدين توخي الحذر عند اتخاذ قرار الفسخ.